الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
408
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الأخرى يومئذ . ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - لأصحابه : قولوا : « لا إله إلا اللّه وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده » . فلما ارتحلوا قال : « آئبون ، تائبون عابدون ، لربنا حامدون » « 1 » . فانظر كيف كان - صلى اللّه عليه وسلم - إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر ، ثم إذا رجع يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه عز وجل لا لغيره بقوله : « آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ، صدق اللّه وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده » « 2 » . وانظر إلى قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « وهزم الأحزاب وحده » فنفى - صلى اللّه عليه وسلم - ما تقدم ذكره ، وهذا هو معنى الحقيقة ، لأن الإنسان وفعله خلق لربه عز وجل ، فهو للّه سبحانه وتعالى الذي خلق ودبر ، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء ، ومن اختار من خلقه ، فكل منه وإليه ، ولو شاء أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل ، قال تعالى : ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ « 3 » فيثبت سبحانه وتعالى الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين ، قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 4 » . فعلى المكلف الامتثال في الحالتين ، أي : امتثال تعاطى الأسباب ،
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري ( 1797 ) في العمرة ، باب : ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو ، ومسلم ( 1344 ) في الحج ، باب : ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره ، من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - . ( 2 ) صحيح : انظر ما قبله . ( 3 ) سورة محمد : 4 . ( 4 ) سورة محمد : 31 .